محمد عبد الله دراز

38

دستور الأخلاق في القرآن

النّاس فإنّه يظل غريبا عنهم ، ولا يعترفون به . مثل هذا القانون يستطيع أن « يرغمهم » ؛ ولكنه لا يستطيع أن « يلزمهم » أخلاقيا . ومن ناحية أخرى إذا لم تكن موافقتنا تقوم أساسا على « الحقيقة في ذاتها » ، فإنّ القانون الّذي نخضع له لا يكون إلا حالة « شخصية » ، أو « نسبية » ؛ وكأننا بذلك نجري وراء ظل القانون ، أو نستسلم لعبادة وثن . وهكذا نرى أنّ « الواجب » يقوم على فكرة « القيمة » الّتي نستمدها من « مثل أعلى » ؛ وأنّ « العقل » و « الوحي » مظهران لتلك الحقيقة الأساسية الّتي تعتبر المصدر الحقيقي « للإلزام الخلقي » . ننتقل الآن إلى فكرة رئيسية أخرى ألح عليها المؤلف ، وأبرزها بكل وضوح في ثنايا مؤلفه وهي : أنّه لامكان للأخلاق بدون عقيدة . والعقيدة هنا تتصل بالأخلاق ذاتها ، ومعناها الإيمان بالحقيقة الأخلاقية كحقيقة قائمة بذاتها « تسمو » على الفرد ، « وتفرض » نفسها عليه بغض النّظر عن أهوائه ، ومصالحه ورغباته . غير أنّ موضوع هذه العقيدة يمكن تصوره بطريقتين مختلفتين : فعلى حين أنّ الملحد العقلاني يقف نظره عند فكرة جامدة ، أو عند مفهوم مجرد ، أو عند كيان أخرس لا حياة فيه - نجد أنّ المؤمن يتعرف في هذا النّداء الدّاخلي على صوت معبوده ، ويترجم في ثنايا قلبه الرّسالة السّماوية لخالقه . ونجده خلف الفكرة يلمح حقيقة حيّة ومؤثرة ، ويشعر أنّه مرتبط بها ارتباطا عضويا ، ويستمد منها على الدّوام القوة ، والنّور ، ويشعر نحوها بأعمق مشاعر الاحترام ممزوجة بأرق مشاعر الحبّ . هذه الشّعلة العاطفية الّتي تحرك « إيمانه العقلي » ، تغذي في الوقت نفسه « طاقاته الخلاقة » . وهو حين يتوقف أو يسقط لا ييأس منه ، أنّه سيعاود الوقوف على قدميه ، ومتابعة المسيرة ، معتمدا على تلك القوة الهائلة الّتي يستمد منها العون . وبذلك يمكن القول إنّ الأخلاق لا تجد مكانا أكثر خصوبة تزدهر فيه من ضمير المؤمن . ويمكن القول ، حقيقة لا مجازا ، إنّ « الواجب